السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
135
مفاتيح الأصول
بالدلالة اللفظية وكما أن الأمر بالشيء يدل على النهي عن ضده العام والظاهر من جماعة أخرى إنكار ذلك وأن الأمر أنما يدل على الوجوب في الجملة من غير دلالة على خصوصية كونه عينيا أو تخييريا وإنما يحكم بالوجوب العيني حيث لم يقم من الشرع دليل على التخيير بالأصل كما يحكم بنفي وجوب الإكرام عن غير زيد إذا قال أكرم زيدا بالأصل لا بالمفهوم منهم العلامة في المختلف والمحقق الثاني في جامع المقاصد والرسالة التي ألَّفها في صلاة الجمعة والشهيد الثاني في روض الجنان وجمال الدين الخونساري في الرّسالة التي ألَّفها في الصلاة المذكورة والمحدث الكاشاني في المعتصم وغيرهم ويظهر من الذخيرة أنه مذهب غير واحد من المتأخرين للأولين وجوه منها أنّه لا شك في أن الأمر حقيقة في العيني فيجب أن يكون مجازا في التخييري وفيه نظر لأنه إن أريد من كونه حقيقة في العين أنّه موضوع له بالخصوص فالحكم بمجازية التخييري حينئذ حق لدوران الأمر بين المجاز والاشتراك وقد بيّنا أنّ الأول أولى ولكن نمنع من الوضع لذلك بالخصوص إذ لا دليل عليه بل لم أجد قائلا به وإن أريد أنّه يطلق عليه باعتبار كونه فردا من أفراده فهو مسلم ولكن نمنع حينئذ من صحّة الحكم بمجازية التخييري إذ لا دليل عليه ومنها أن المتبادر من الأمر عند الإطلاق العيني وقد صرّح بهذا في كنز العرفان ومجمع الفائدة والرّسالة التي ألَّفها في صلاة الجمعة والمعالم وغيرها ومنها أن مقتضى إطلاق الأمر لزوم الإتيان بالمأمور به وإن أتى بشيء ولا كذلك لو كان للتخيير فإنه يسقط عند الإتيان وقد يقال إن هذا لا يقتضي كون الأمر موضوعا للعيني بحيث إذا استعمل في التخييري كان مجازا فإن اللفظ قد يدل على معنى بإطلاقه وليس موضوعا بإزائه فإنك إذا تركت متعلَّق نفي الاستواء مثلا وقلت لا يستوي أفاد نفي الاستواء من جميع الوجوه مع أن لفظ لا يستوي ليس حقيقة فيه إذ لو قلت لا يستوي في الأمر الفلاني كان حقيقة فتأمل ومنها أنه إذا قيل اضرب زيدا ثم قيل أنت مخير بين ضرب زيد وضرب عمرو كان تناقضا وليس إلَّا لدلالة الأمر على الوجوب العيني وقد يقال لعل استفادة الوجوب العيني من جهة إسناد الضرب إلى زيد لا من جهة خصوص صيغة افعل فتأمل ومنها أنّه إذا قال السّيّد لعبده اقتل خالدا لم يجز للعبد أن يقول ما عيّن لي السيد قتل خالد ويحتمل أن أكون مخيّرا بين قتله وغيره وليس ذلك إلَّا لإفادة الأمر الوجوب العيني وفيه نظر ومنها أنّه لو كان الأمر للأعمّ من العيني والتخييري لما جاز فيما إذا ورد مطلق ومقيد نحو أعتق رقبة أعتق رقبة مؤمنة وتعارضا حمل المطلق على المقيد بل وجب إبقاء المطلق على حاله وحمل الأمر بالمقيد على التخيير لدوران الأمر حينئذ بين تقييد الإطلاق وهو خلاف الأصل وحمل الأمر على التخيير وهو غير مخالف للأصل لأن المفروض أنّه كالعيني وأن إطلاق الأمر عليه يصح بطريق الحقيقة ولا إشكال في لزوم ترجيح ما هو موافق الأصل والتالي باطل جدّا وخلاف ما عليه أكثر المحققين من الأصوليين ومنها ما تمسّك به في كنز العرفان من أنّه قد كثر استعمال الأمر في العيني وقد اعترف به الخصوم والأصل أن يكون حقيقة فيه تقليلا للمجاز وقد يقال لا نسلَّم ذلك واستفادة الوجوب العيني في كثير ممّا تعلق به الأمر يمكن أن يكون باعتبار أمر خارجي تقدم إليه الإشارة لا من نفس اللفظ وللآخرين وجوه أيضا منها أنّه لو كان الأمر حقيقة في العيني للزم استعمال أمر فاسعوا إلى ذكر اللَّه تعالى في المعنى الحقيقي لأنه خطاب للموجودين والغائبين وقد ثبت أن وجوب الجمعة بالنّسبة إلى الأولين عيني وبالنسبة إلى الآخرين تخييري ولا كذلك لو كان موضوعا للأعم من الأمرين وفيه نظر ومنها أنّه لو كان موضوعا للعيني لما جاز الحكم بالتخيير فيما إذا قيل اضرب زيدا أو عمرا لدوران الأمر حينئذ بين التجوز في لفظ الأمر بحمله على الوجوب التخييري والتجوّز في لفظه أو بحملها على معنى الواو ولا ترجيح لأحدهما على الآخر ولا كذلك إذا قيل إن الأمر للأعم من الأمرين بل يجب الحكم بالتخيير حينئذ لفقد المعارض لظاهر لفظة أو فيه نظر لإمكان أن يقال إن التجوز في لفظ أو أبعد من التجوز في لفظ الأمر والأبعد لا يصار إليه مع إمكان الأقرب فيجب الحكم بالتخيير على تقدير كون لفظ الأمر للعيني فتأمل ومنها أنّه قد ثبت أن الأمر للوجوب ولا إشكال في أنّ الوجوب أعم من التخييري والعيني فيجب أن يكون الأمر كذلك وفيه نظر لجواز أن يمنع من كون الأمر لمطلق الوجوب وهل هو إلَّا عين النزاع سلمنا ولكن قد يمنع من أعميّة الوجوب أيضا وتصريح كثير منهم بأن الواجب في المخير والموسع هو الأمر الكلَّي يؤيّد ما ذكرنا فتدبر ومنها أن الأمر استعمل تارة في الوجوب العيني وأخرى في التخييري والأصل أن يكون حقيقة في القدر المشترك دفعا للاشتراك والمجاز وفيه نظر ومنها أنّه لو قال اضرب زيدا أو عمرا لم يصحّ أن يقال لم يأمر بشيء ولو كان الأمر للعيني للزم الصّحّة وفيه نظر مفتاح اعلم أن ما تعلق به الأمر في الشريعة قد يكون مصلحة في نفسه ومطلوبا لذاته لا غير وهذا يسمّى بالواجب لنفسه كالصّلاة والزكاة وقد يكون مصلحة في غيره ومطلوبا لأجله لا غير وهذا يسمى بالواجب لغيره كالوضوء وقد يجتمع فيه الأمران كالإسلام فإنه مطلوب لذاته وهو لغيره و